امارة بني حمدان (عشائر البوحمدان )
اهلآ وسهلآ نورت منتدى امارة بني حمدان
تتمنى ادارة المنتدى ان تكون صديق دائم للمنتدى
تحياتي ادارة المنتدى
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
تصويت
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 2 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 2 زائر

لا أحد

[ مُعاينة اللائحة بأكملها ]


أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 37 بتاريخ الثلاثاء مايو 28, 2013 7:54 pm

وصف ابو الطيب المتنبي لمعارك سيف الدوله الحمداني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

وصف ابو الطيب المتنبي لمعارك سيف الدوله الحمداني

مُساهمة من طرف عاشق المجد في السبت يوليو 24, 2010 9:47 pm

أبو الطيّب المتنبي
قصائد متميزة وأشعار رائعة

قصيدة : الرفق بالجاني عِتابُ
( ديوان المتنبي/ دار بيروت للطباعة والنشر. 1980 ).

قال الشاعر أبو الطيّب المتنبي هذه القصيدة في جمادي الأخرى عام 343 ( 945 ميلادي ) بعد أن :
(( أحدث بنو كلاب حَدَثاً بنواحي بالس وسار سيف الدولة خلفهم وأبو الطيب معه فأدركهم بعد ليلةٍ بين ماءين يُعرفان بالغبّارات والخرّارات فأوقع بهم وملك الحريم فأبقى عليه فقال أبو الطيّب بعد رجوعه من هذه الغزوة وأشده إياها في جمادي الأخرى سنة ثلاث وأربعين وثلاث مائة/ 945 م ))..
كما جاء في مقدمة القصيدة.
ثارت قبيلة ( كلاب ) أو ( بنو كلاب ) والعديد من القبائل العربية المتحالفة معها أو المتفرعة عنها على أمير حلب سيف الدولة الحمداني فكتب الشاعر المتنبي - وقد شارك في بعضها كتفاً لكتف مع سيف الدولة - يصف وقائع هذه الثورات وما جرى فيها من وقائع إنتهت جميعها بإنتصار سيف الدولة وقمع التمرد وخضوع هذه القبائل لسلطان سيف الدولة. كتب المتنبي في هذه التمردات ثلاث قصائد، وقصيدة ( الرفق بالجاني عِتابُ ) هى أول ما كتب في هذا الباب من شعر في عصيان وإنشقاق هذه القبائل.



لقد كتب المتنبي قصائد أُخرَ في ثورات أُخرَ قاد إحداها عام 321 للهجرة عمرو بن حابس الأسدي وبنو ضَبّة مطلعها غزلي ( ذكرُ الصبى ومراتعِ الآرامِ ). بعد ذلك ثار القرامطة عام 373 الهجري في بادية السماوة فقال المتنبي قصيدة مطلعها ( إلامَ طماعيةُ العاذلِ ).كما قال شعراً في تمرد وقع عام 353 للهجرة في مدينة الكوفة تحت قيادة خارجي – قرمطي – من بني كلاب هو ضَبّة بن يزيد الكلابي. ولا علاقة لهذا التمرد بسيف الدولة إنما كان موجهاً ضد مركز الخلافة في بغداد، وكان المديح للقائد العسكري ( دلّير إبن لشكروز ) الذي إنتدبته بغداد للقضاء على هذا التمرد وبسط سلطان وهيبة الخلافة على تلكم الربوع. يكون مجموع هذه الثورات أربع أسماها طه حسين " حروب سيف الدولة الداخلية " (( من تأريخ الأدب العربي/ الجزء الثالث/ صفحة 205 وما يليها/ الناشر : دار العلم للملايين، بيروت الطبعة الثالثة شباط 1980 )) كتب المتنبي فيها ست قصائد.

سأضع الجميع في جدول لتيسير متابعة الأحداث ومناسبات القصائد الست التي قيلت في سرد وقائع ما جرى من قتال وكر وفر وسلب ونهب وأسرٍ وسبي حريم وأطفال وصبايا :

جدول رقم (1)

السنة *** هجرية الخارجون مطلع القصيدة

321 *** عمرو بن حابس الأسدي وبنو ضَبّة ذَكرُ الصِبى ومراتعِ الآرامِ
337 *** القرامطة في بادية السماوة إلامَ طماعيةُ العاذلِ
343 *** بنو كلاب وقبائل عربية متحالفة معها بغيركَ راعياً عبثَ الذئابُ
344 *** قبائل كثيرة من بينها كلاب وكعب تذكّرتُ ما بين العُذيبِ وبارقِ
344 *** قبائل كثيرة من بينها كلاب وكعب طِوالُ قناً تُطاعنها قِصارُ
353 *** خارجي من بني كلاب هو ضَبّة بن يزيد الكلابي كدعواكِ كلٌّ يدّعي صِحةَ العقلِ

يتضح من هذا الجدول أنَّ قبيلة بني كلاب كانت الأكثر تمرداً وخروجاً على السلطان والدولة. فعلام ثار بنو كلاب وبطونهم الأخرى ؟ لا تذكر المصادر المتاحة لي أسباب هذه الثورات والإضطرابات التي كانت تقوم بها هذه القبائل. فهل كانوا جميعاً من القرامطة ؟

المتنبي لم يقلْ ذلك. بل قال في مطلع قصيدة ( إلامَ طماعيةُ العاذل ) : (( يمدحه ويذكر إستنقاذه أبا وائل تغلب بن داود بن حمدان العدوي من أسر الخارجي سنة سبع وثلاثين وثلاث مائة / 948 م )). لكن طه حسين ( المصدر السابق / صفحة 207 ) يعتقد أنَّها كانت ثورة قرمطية قامت ضد سيف الدولة في حمص. لا ذِكرَ في هذه القصيدة لأسماء أيٍّ من قبائل العرب على وجه الإطلاق. بلى، قد ذكر الشاعر مدينتي حمص وحلب وعاتب بغداد قائلاً :

أما للخلافةِ من مُشفِقٍ
على سيفِ دولتها الفاصلِ

ثم تمادى في غضبه فقال قولاً فاحشاً في وصف مركز الخلافة في بغداد :

فذي الدارُ أخونُ من مُومِسٍ
وأخدعُ من كِفّةِ الحابلِ

تفانى الرجالُ على حبّها
وما يحصلون على طائلِ

أسماء القبائل التي خرجت على سيف الدولة الحمداني كما ذكرها المتنبي في هذه القصائد :

في قصيدة ( الرفق بالجاني عتابُ ) : كلاب وكعب وعمرو وأبو بكر وقُريط.
في قصيدة ( الحسنُ في الخلائق لا في الوجه ) : كلاب وكعب وعُقيل وقُشير وبنو نمير وبلعجلان.
في قصيدة ( الموت إضطرار ) : بنوكلاب وكعب وبنو نُمير. في القصيدة أسماء أماكن ذكرها الشاعر هي : سَلَمية وتدمر والسماوة والرقتان وأراك وعَرَض. كما ذكر نهري الفرات والخابور.

قصيدة ( الرفقُ بالجاني عِتابُ )

أعود للقصيدة موضوعة البحث متسائلاً قبل غيري : ما وجه الروعة والجِدّة في هذه القصيدة ؟

سؤال جدَّ وجيه أسأله كما يسأله القاريء معي أو قبلي أو بعدي. سأعرضُ مثالاً واحداً يكشف وجه الإبداع اللغوي ومثالاً آخرَ يكشف وجه الإبداع الفني في رسم الصورة الشعرية الدافئة والمتحركة.

الإبداع اللغوي : قال المتنبي في إفتتاحية القصيدة

بغيركَ راعياً عبِثَ الذئابُ
وغيرَكَ صارماً ثلمَ الضِرابُ
أين هو الإبداع في هذا البيت يا تُرى ؟ تتفرع الإجابة عن هذا السؤال إلى شقين : الشق الأول يتعلق بقدرة المتنبي التي لا تُضاهى على توظيف فن التضمين والتقديم والتأخير وبإشكال وطُرق لم يسبقه إليها أحد من شعراء العرب قاطبةً رغم شيوع هذين الإسلوبين في الأدب عامةً وفي الشعر العربي على وجه الخصوص. للمتنبي قدرة خارقة وذوق خاص في تناول وتوظيف هذا الفن ( أو الآلية ) بحيث يأتي بما يشبه المعجزات في قول الشعر. نعم، فحسب قواعد اللغة العربية والكلام الدارج ( اللغة المنطوقة ) فإنَّ معنى صدر البيت :

تعبث أو تأكل الذئابُ غنم غيرك من الرعاة.

ومعنى عجز البيت :
يثلمُ الضرب سيفاً غيرك ( لنتذكر أن إسم الممدوح هو سيف الدولة الحمداني ).
وشتّانَ ما بين الصياغتين.

أما الشق الثاني فإنه يتعلق بميل المتنبي وبحسه الإبداعي العالي إلى تقضيل إستخدام صيغة التمييز في هذا البيت ( راعياً وصارماً ) بدل الأسماء وأسماء الأفعال ( راعي وصارم ). إنَّ في صيغة التمييز إستثناءً وتفرداً وإمتيازاً… كما نعلم. وهذا ما أراد الشاعر أن يُسبغه على ممدوحه في واقع الأمر.

الإبداع في رسم الصورة الشعرية : وجدتُ في البيت الآتي أروع صورة شعرية يمكن أن يتخيلها شاعرٌ ثم يصبّها حروفاً على الورق. البيت هو

يهزُّ الجيشُ حولكَ جانبيهِ
كما نفضتْ جناحيها العُقابُ
صورة رائعة شديدة الحركة مفعمة بالحيوية وسحر توظيف الفعلين المضارع ( يهزُّ ) والماضي
( نفّضَت ) اللذين يهزان القاريء هزاً. ثم لا ننسى مغزى ورود ( الجناحين ) في هذا البيت وفي هذا الباب وفي هذه المناسبة حيث تدور معارك طاحنة وفاصلة في تأريخ الإمارات والدويلات والدول. فجناحا العُقاب كناية عن الميمنة والميسرة في تعبئة الجيوش القديمة على أرض المعركة، يتوسطهما القلب من العسكر وفي مركز هذا القلب القائد وقيادة الجيش الميدانية.

أنتقل الآن لتشريح جسد القصيدة كيما أُبيّن أوجه التفرد فيها.

تميز المتنبي في هذه القصيدة بقدرة فائقة على المناورة وممارسة أعلى أشكال الدبلوماسية فضلا عن قدراته المعروفة في وصف المعارك ولاسيما وسائل الحرب من خيول وسيوف ورماح وقسي. لم يعرف الشعر العربي لا قديماً ولا حديثاً شاعراً يماثل أو يُضاهي أو حتى يقارب المتنبي في الوصف الميداني لما كان يدور أمامه من معارك أو حتى ما يوصف له من وقائعها التي لم يسهم فيها. أنظر مثلاً قصيدة " الموت إضطرار " التي كتبها في معركة لم يحضرها لكنَّ سيف الدولة شرحها له (( الديوان/ الصفحات 398 – 404 )). نعم، كان المتنبي في قصائد الحروب يقدم أفلاماً سينمائية فائقة الجودة وصفاً وإخراجاً وتلويناً يؤكد فيها على شجاعة سيده سيف الدولة من جهة ويهوّن من شأن أعدائه من الجهة الأخرى سواء أكانَ أعداؤه روماً أو أعراباً يتمردون ويشقون عصا الطاعة فيرفضون تقديم خراج الأرض المرسوم والمفروض عليهم أو أنْ يقللوا من مقداره، أو أن يرفضوا تقديم الأموال المستحقة على ضمان حماية الطرق والمسالك الصحراوية وآبار المياه. أو أن يرفضوا تقديم شبابهم جنوداً لمقاتلة الروم والدفاع عن ثغور المسلمين ضد غزوات الروم.

يمكن تقسيم محاور القصيدة إلى أربعةٍ رئيسة هي : التعبئة للحرب. هزيمة الأعراب المتمردين. تكريم الأسرى و السبايا من الحريم والأطفال. شجاعة هؤلاء الأخوة - الأعداء والتأكيد على ضرورة الإحتفاظ بهم إحتياطاً للمستقبل فهم أشداء وفرسان وغى في وجه غير سيف الدولة، لم يقهرهم غير سيف الدولة أحد من البرية.

يصول المتنبي خلال القصيدة ويجول في فكرالمنطق الدبلوماسي لغةً ومناورةً وإثارةً لمشاعر العطف والرفق والضرب على وتر الرحم والقربى بالروابط القبلية كما يصول ويجول سيفاً وواحداً من فرسان سيف الدولة في ميدان المعركة. فهو فارس الميدانين بلا منازع. سلاح السيف في المعركة وسلاح الدبلوماسية بعد إنتهائها بالنصر المؤزّر.

أولاً : التعبئة للحرب

مهدَّ الشاعر للحرب بتهيئة المشاعر والتحريض على قتال العدو الذي كان يعبث كالذئب بالرعية وكسّر أسياف غير سيف الدولة فأسياف هذا عصية عليه. العدو ذئب يهون عليه شأن الرُعاة فما على سيف الدولة إلاّ أن يجرد الحسام ويُعبّيء الجيوش لقتال هؤلاء الذئاب الأشداء. مع التحريض على الحرب بما نسميه اليوم بالحرب النفسية يحط المتنبي من قَدْر الخصوم ويرمي إلى فل عزائمهم متوخياً رفع الهمّة القتالية لدى سيف الدولة وشحذ معنويات جنوده. المتنبي خبير بشؤون الحرب النفسية وإنه المتبحر في شأن النفس البشرية وإنه هو الذي قال يوماً (( وإذا كانت النفوسُ كِباراً // تَعِبتْ في مرادها الأجسامُ )). قال الشاعر في معرض التعبئة للحرب والحط من قدر وقدرات الأعداء موجهاً الخطاب إلى سيف الدولة :

وتَملِكُ أنفُسَ الثقلين طُرّاً
فكيف تحوزُ أنفُسِها كِلابُ ؟

طَلَبتهمُ على الأمواهِ حتّى
تخوّفَ أنْ تُفتِشَه السحابُ

فبتَ ليالياً لا نومَ فيها
تخبُّ بكَ المسوَّمةُ العِرابُ

يهزُّ الجيشُ حولك جانبيهِ
كما نفَضتْ جناحيها العُقابُ

إذا ما سِرتَ في آثارِ قومٍ
تخاذَلَت الجماجمُ والرقابُ.

ثانياً : هزيمة الخصوم المتمردين

دارت رحى المعارك فإنهزمت جموع القبائل المتمردة أمام زحف كتائب سيف الدولة.
ولما كان الشاعر قد شاهد بنفسه هذه المعارك وساهم في بعض فصولها طعناً وضراباً فإنه هو الأقدر على تصوير حال الخصم المنهزم متجرعاً كؤوس الذل والهوان ومتكبداً الخسائر في الأرواح والأموال فضلاً عن أسر الحريم وحيازتهم كسبايا. نسمع صوت الشاعر كيف يصف الحال :

وتسألُ عنهمُ الفَلَواتِ حتّى
أجابك بعضُها وهمُ الجوابُ

فقاتلَ عن حريمهمُ وفرّوا
ندى كفيكَ والنسبُ القُرابُ

وأُسقِطت الأجنّةُ في الوَلايا
وأُجهضِت الحوائلُ والسقابُ

وعَمروٌ في ميامنهم عُمُورٌ
وكعبٌ في مياسرهم كِعابُ

وقد خذَلت أبو بكرٍ بنيها
وخاذلها قُريطٌ والضِبابُ

رميتهمُ ببحرٍ من حديدٍ
له في البرِّ خلفهمُ عُبابُ

فمسّاهمْ وبُسطُهمُ حريرٌ
وصبّحهمْ وبُسطُهمُ تُرابُ

ومن في كفّهِ منهمْ قناةٌ
كمن في كفّهِ منهمْ خِضابُ.

ثالثاُ : صون وتكريم السبايا من الحريم ( معاهدة جنيف وحقوق أسرى الحروب )

يبدع المتنبي في هذا الباب أيما إبداع. إنه بلا تحفظ منحاز لجانب المسبيات من نساء الخصوم. إنه يدافع عن حقوق الأسرى لكأنما كانت في رأسه معاهدة جنيف بخصوص رعاية مصالح وحقوق أسرى الحروب ومعاملتهم معاملة خاصة تحفظ لهم الكرامة وماء الوجه والكبرياء. إنه يتوسل بكافة السبل مستهدفاً تحريك غَيرة وحمية ورجولة سيف الدولة المنتصر. إنه لدفاع فريد الأسلوب ينصب فيه الشاعر من نفسه محامياً ليس للدفاع عن موكليه حسبُ، إنما يضع المنتصر أمام مسؤولياته الإنسانية مذكراً إياه بكرم خلقه وعراقة محتده وشرف مجده الشخصي والعائلي وشهامة الشجعان من فرسان الرجال.
لنستمع إلى نداء ونجوى الشاعر وهو يحرك دواعي النخوة ومشاعر العطف على عدو ضعيف لم يحمل بوجهه السلاح ولم يقاوم. إنهن النساء السبايا والأطفال والعاجزون :

فعُدنَ كما أُخِذنَ مُكرَّماتٍ
عليهن القلائدُ والمَلابُ

يُثِبنكَ بالذي أوليتَ شُكراً
وأين من الذي تولي الثوابُ

وليس مصيرُهنَّ إليك شَيناً
ولا في صونهنَّ لديكَ عابُ

ولا في فقدهنَّ بني كلابٍ
إذا أبصرنَ غُرّتكَ اغترابُ .

رابعاً : شجاعة القبائل المهزومة والحفاظ على فرسانها لأوقات الشدّة ( مشروع مارشال لإعمار أوربا بعد الحرب العالمية الثانية )

نهج المتنبي في هذا الشأن نهجين غير مسبوقين في تلكم الأزمان : الإشادة بشجاعة وبأس الخصم المندحر من جهة والحث على الإبقاء عليه عزيزاً منيعاً من الجهة الأخرى.
المندحر شجاع وذو بأس، والمندحر يمتُّ بصلة القربى والنسب للقائد المنتصر، ثم النظر البعيد للمستقبل وقراءة الغيب والتحسب لما قد يقع لسيف الدولة من مشاكل وحروب مع أخصامٍ آخرين. هؤلاء المهزومون هم إحتياط ( ستراتيجي ) يُعبأ لردع ودرء خطر سواهم من القبائل، ورافد مضمون لمدِّ سيف الدولة بمدود المقاتلين الأشدّاء سداً منيعاً في وجه غارات الروم على مدن وثغور المسلمين. أفلم تفعل الولايات المتحدة الأمريكية مثل ذلك في نهاية الحرب العالمية الثانية حيث أبقت على المعسكر الذي خسر الحرب وأمدته بوسائل البقاء وأعانته بمشروع مارشال على الوقوف على قدميه وإعادة بناء الإقتصاد الذي دمرته الحرب الضروس إحتياطاً لها بشرياً ومالياً وعسكرياً وتكنولوجياً وسداً منيعاً في وجه الإتحاد السوفياتي والمعسكر الإشتراكي. إنه بعد نظر نادر المثال ينمُّ عن حَنَكة دبلوماسية وتبصّرٍ في السياسة وفي شؤون الدنيا وتبحّرٍ في أغوار النفس البشرية التي طالما تكلم الشاعر عنها في أشعاره وحاول معرفة كنهها فعجز حتى قال :

فقيلَ تخلصُ نفسُ المرءِ سالمةً
وقيلَ تَشرَكُ جسمَ المرءِ في العَطَبِ

لنستمع إذن لما قاله المتنبي في شجاعة المهزومين وفي ضرورة الحفاظ عليهم والمبررات التي ساقها لإقناع سيف الدولة المنتصر لأن يتبنى وجهات النظر هذه :

ترفّقْ أيها المولى عليهمْ
فإنَّ الرِفقَ بالجاني عِتابُ

وإنهمُ عبيدُكَ حيثُ كانوا
إذا تدعو لحادثةٍ أجابوا

وعينُ المخطئينَ همُ وليسوا
بأولِ معشَرٍ خَطِئوا فتابوا

وكمْ ذنْبٍ مولِّدهُ دلالٌ
وكمْ بُعدٍ مولّدهُ اقترابُ

وجُرمٍ جرّهُ سُفهاءُ قومٍ
وحلَّ بغيرِ جارمهِ العذابُ

وإنْ يكُ سيفَ دولةِ غيرِ قيسٍ
فمنه جلودُ قيسٍ والثيابُ

وتحتَ ربابهِ نبتوا وأثّوا
وفي أيامهِ كثُروا وطابوا

وتحت لوائهِ ضربوا الأعادي
وذلَّ لهمْ من العَربِ الصَعابُ

ولو غيرُ الأميرِ غزا كلاباً
ثناهُ عن شموسهمُ ضبابُ

ولاقى دونَ ثأيهمُ طِعاناً
يُلاقي عندهُ الذئبَ الغُرابُ

وخيلاً تغتذي ريحَ الموامي
ويكفيها من الماءِ السَرابُ

ملاحظتان أخيرتان

أولا : خلو القصيدة من الديباجة الغزلية التي درج الشاعر على إفتتاح الكثير من قصائده بها. لقد إنتبه طه حسين إلى هذه الظاهرة حين كتب ( المصدر السابق الصفحات 209 – 210 ) صفحتين تقريباً حول هذه القصيدة التي أعجبته فقال في جملة ما قال عنها شارحاً أسباب جودتها ودواعي إعجابه بها (( … وليست البائية التي قالها المتنبي لسيف الدولة حين أدّبَ الكلابيين بأقل جودة وروعة ورشاقة ولباقة من هذه اللامية - يقصد القصيدة التي مطلعها : إلامَ طواعيةُ العاذلِ - ، فقد وُفِقَ فيها المتنبي أحسن توفيق للملائمة بين جزالة اللفظ وسهولته، وبين دقة المعنى وبراعته، وأحسن إختيار الوزن فعمدَ إلى الوافر، وهو كما نعلم يسير سهل لا يكاد يتأتى فيه الوقوف، وليس أقل من المتقارب ملاءمةً للسير السريع اليسير في الفضاء الواسع السهل الذي لا تقوم فيه الجبال ولا تنبثُّ فيه العقبات…، وقد أعرض المتنبي في هذه القصيدة عن الغزل والغناء، لأنَّ نشاط الحرب في هذه الموقعة البدوية الخالصة كان ملأ قلبه من جهة، ولأنَّ هذه القصيدة الحماسية غناء كلها من جهة أخرى…)). ملاحظة طه حسين صحيحة لكن التبرير غير دقيق. فلقد قال المتنبي الغزل الرفيع في مطالع قصائد الحرب الأخرى كما سنرى لاحقاً في الجدول رقم (2).

ثانياً : عدا كلمتين وردتا في بيت يمدح فيه المتنبي سيف الدولة ( تخبُّ بك المُسوّمةُ العِرابُ ) …فقد خلت هذه القصيدة من وصف الخيول وذلكم أمر شذَّ فيه المتنبي عن نهج إلتزمه بشكل صارم خلال جميع ما كتب من أشعار. ولع الرجل بالخيول يستحق دراسة منفصلة متأنية، ذلك أن المتنبي عالم بأحوال وطبائع وصفات الخيول بشكل عام، وبتحديد أدوارها في سوح المعارك بوجه خاص.

ولا من غرابة في هذا الأمر، فالحصان هو وسيلة النقل ثم الكر والفر والطعان. والخيول أشكال وأنسال وعروق وأصول ثم صفات وأسماء. لقد أوجز هذه المسائل في البعض من أبياته الشعرية إذ قال في قصيدة ( كلُ مكان يُنبت العزَّ طيّبُ ) :

وعيني إلى أُذُني أغرَّ كأنهُ
من الليل باقٍ بين عينيه كوكبُ

له فَضلةٌ عن جسمهِ في إهابهِ
تجيءُ على صدرٍ رحيبٍ وتذهبُ

شققتُ به الظلماءَ أُدني عِنانه
فيطغى وأُرخيهِ مِراراً فيلعبُ

وأصرعُ أيَّ الوحشِ قفّيتهُ بهِ
وأنزلُ عنه مثلَه حينَ أركبُ

وما الخيلُ إلاّ كالصديقِ قليلةٌ
وإنْ كَثُرتْ في عين من لا يُجرّبُ

إذا لم تشاهدْ غيرَ حُسنِ شياتها وأعضائها، فالحسنُ عنكَ مُغيّبُ

ومن غُرر ما قال في وصف الخيل في زمن المعارك ( من قصيدة كل عزيز للأمير ذليلُ ) :

رمى الدربَ بالجُرْدِ الجيادِ إلى العِدى
وما عَلِموا أنَّ السِهامَ خيولُ

شوائلَ تَشوالَ العقاربِ بالقنا
لها مرحٌ من تحتهِ وصهيلُ

وخيلٍ براها الركضُ في كل بلدةٍ
إذا عرّستْ فيها فليسَ تَقيلُ

فما شعروا حتى رأوها مُغيرةً
قِباحاً وأما خَلقُها فجميلُ

سحائبَ يمطرنَ الحديدَ عليهمُ
فكلُّ مكانٍ بالسيوفِ غسيلُ

تسايرها النيرانُ في كل منزلٍ
به القومُ صرعى والديارُ طُلولُ

ورُعنَ بنا قلبَ الفراتِ كأنما
تخِرُّ عليهِ بالرجالِ سيولُ

يطاردُ فيه موجَهُ كلُّ سابحٍ
سواءٌ عليهِ غَمرةٌ ومَسيلُ

تراهُ كأنَّ الماءَ مرَّ بجسمهِ
وأقبلَ رأسٌ وحدهُ وتليلُ

هل هناك ما هو أصدق وأجمل من هذه الصورة في البيت الأخير حيث يصور الشاعر حصاناً يعبر نهراً لا يبين منه إلاّ الرأس والعنق ؟

أستحضر هذه الصورة الرائعة في ذاكرتي أيام كنا نسبح في مياه نهر الفرات صيفاً مع الخيول والجاموس والثعابين التي تستهدف الضفادع على ساحل النهر ( وأقبلَ رأسٌ وحدهُ وتليلُ ).

في قصيدة ( الرأيُ قبلَ شجاعة الشجعانِ ) قال المتنبي في وصف الخيل :

إنْ خُلّيتْ رُبِطتْ بآدابِ الوغى
فدعاؤها يُغني عن الأرسانِ

في جحفلٍ سترَ العيونَ غُبارُهُ
فكأنما يَبصُرنَ بالآذانِ

يرمي بها البلدَ البعيدَ مُظفّرٌ
كلُّ البعيدِ له قريبٌ دانِ

فكأنَّ أرجُلَها بتربةِ مَنبِجٍ
يطرحنَ أيديها بحُصنِ الرانِ

حتى عبرنَ بأَرْسَناسَ سوابحاً
ينثُرنَ فيهِ عمائمَ الفرسانِ

يقمُصنَ في مثلِ المُدى من باردٍ
يَذَرُ الفحولَ وهنَّ كالخصيانِ

هل قرأنا لغير المتنبي بيتاً كهذا الأخير يبين فيه بالصورة الحية المتحركة تأثير الماء البارد على بعض أعضاء الحصان الحساسة ؟ ثم لننظر في شأن بيت آخر بالتحديد قاله الشاعر يصف فرساً ( من قصيدة : تصلحُ لمثلك الدولُ ، يمدح فيها أمير طبرية بدر بن عمّار ) :

يُقْبِلُهُمْ وجهَ كلِّ سابحةٍ
أربَعُها قبلَ طرفها تصلُ

جرداءَ ملءِ الحزامِ مُجفِرةٍ
تكونُ مِثليْ عسيبها الخُصلُ

إنْ أدبرتْ قلتَ لا تليلَ لها
أو أقبلتْ قلتَ ما لها كَفَلُ

هذا هو البيت التحفة. هنا جمع المتنبي كعادته أطراف المتضادات ( الطِباق ) ولاسيما التضاد في إتجاه الحركة وهو من أبلغ الطِباق وأروعه. أقصد الفعلين " أدبرت " و " أقبلت ". سهمان متعاكسان في الفضاء. ثم التضاد في المنظور ما بين بعض أعضاء الفرس.

أعني التليل وهو العنق، أي مقدم الفرس، والكَفَل وهو مؤخرتها. فضلاً عن خصوصية أحرف الفعلين الماضيين أدبرت وأقبلت حيث يبتدئان بالألف المهموزة ويبنتهيان بالتاء الطويلة الساكنة ويتكون كلاهما من خمسة أحرف لا غير. ثم لنلاحظ التركيبة اللغوية لهذا البيت : نرى في أول الصدر " إنْ " ونرى في أول عجز البيت ( أو ). يتبع ذلك قوله في الصدر " قلتَ لا " وفي العجز " قلتَ ما ". إنْ… أو، لا…ما. حين أقرأ هذه الحروف الأربعة معاً أتخيل جري الخيل بالخبب السريع. هل في هذا البيت شيء من بيت إمريء القيس الذي يصف فيه حصانه :

مِكَرٍ مِفَرٍ مُقبلٍ مُدبرٍ معاً
كجلمود صخرٍ حطّهُ السيلُ من علِ ؟
في هذا البيت الكثير من الحركة والتضاد في الإتجاهات من كر وفر وإقبال وإدبار. ثم قوة تأثير الفعل الماضي ( حطّه ) في أُذن السامع. لكنَّ تشبيه حركة الحصان كرّاً وفرّاً كصخرة يدحرجها سيل جارف من أعلى منحدر تشبيه يفتقر إلى الكثير من روعة صورة المتنبي حيث أن حركة الفرس إنما هي حركة ذاتية تأتي من داخل الفرس. الفرس يطور الحركة على حساب طاقته الداخلية. إنه لا يعتمد على قوى خارجية عمياء تحركه كما تشاء هي لا كما يريد هو. إنه العنصر الفاعل وليس الطرف المفعول. إنه سيد المواقف والمستقل بإرادته عنها. السيادة والإستقلال. فعل الفاعل إيجاب، لكنَّ رضوخ المنفعل لعوامل لا تمتُّ له بصلة إنما هو سلب وإستلاب للإرادة وحذف للإعتبار وللقوة الذاتية. الحصان الذي تجرفه السيول لا يصلح في نهاية المطاف أن يكون وسيلة من وسائل الحرب كرّاً وفرّاً ومنازلةً وواسطة للتنقل. إنه مجرد صخرة، والصخرة لا تكر ولا تفر، لا تقبل ولا تدبر. لنقرأ البيتين معاً ونتأمل خصوصيات كل منهما كيما نستخلص الفروق ونضع اليد على مواطن القوة والضعف، وبلاغة القول وركّته، وجمال الصورة وتواضعها.

جدول رقم (2)

الغزل والخيول في قصائد البحث الحالي / وهي قصائد معارك وحروب

1- ذكرُ الصبى ومراتعِ الآرامِ فيها غزل لكنْ لا ذِكرَ فيها للخيول
2- إلامَ طماعيةُ العاذلِ فيها غزل وفيها خيول
3- بغيرك راعياً عبثَ الذئابُ لا غزل فيها ولا خيول
4- تذكّرتُ ما بين العُذيبِ وبارقٍ هنا غزل وخيول
5- طوالُ قناً تطاعنها قِصارُ هنا خيول ولا غزل
6- كدعواكِ كلٌّ يدّعي صحةَ العقلِ فيها غزل وفيها خيول

يتضح من هذا الجدول المبسّط أن قصيدة ( بغيرك راعياً … ) هي الإستثناء الوحيد بين القصائد الأخرى، حيث لم يبدأها الشاعر بالغزل ولم يُطنب في وصف الخيول على أرض المعركة. وتلكم ظاهرة تستلفت نظر الباحث والمتقصّي.كما يبدو من الجدول أنَّ الشاعرَ كان قد تغزل في أربعٍ من قصائد الحرب الست المذكورة في هذا الجدول. أي أنَّ الحروب لم تمنع المتنبي من السير في النهج الذي إختطه لنفسه منذ أن قال :

إذا كان مدحٌ فالنسيبُ المُقدّمُ
أكلُّ فصيحٍ قالَ شعراً مُتيّمُ ؟

وعلينا أنْ لا ننسى أنَّ جميع هذه القصائد إنما هي في واقع الحال قصائد في المديح، مديح قائد هذه الحروب تخطيطاً وتنفيذاً ومباشرة للمعارك بنفسه متقدماً صفوف كتائب فرسانه.

عاشق المجد
امير نشيط
امير نشيط

عدد المساهمات: 52
نقاط: 1613
تاريخ التسجيل: 24/07/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: وصف ابو الطيب المتنبي لمعارك سيف الدوله الحمداني

مُساهمة من طرف Admin في الأحد يوليو 25, 2010 3:19 am

شكرآ على هذا الموضوع وونتظر المزيد[img][/img]

_________________
رأيــت الشيب لاح فقلـت أهـل
وودعـت الغوايـة والشـبابا

وما أن شبت مـن كبر ولكن
رأيت من الأحبة ما أشـابا

Admin
Admin

عدد المساهمات: 49
نقاط: 1517
تاريخ التسجيل: 20/07/2010
العمر: 31

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://albohmdan.hooxs.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: وصف ابو الطيب المتنبي لمعارك سيف الدوله الحمداني

مُساهمة من طرف *محمدالحمداني* في الإثنين يوليو 26, 2010 4:59 pm

عاشت الايادي موضوع جميل ننتظر منك المزيد انت مبدع
تحياتي الاداره

_________________
نحن اناسآ لاتوسط بيننا
لنا الصدرو دون العالمين اوالقبرو
تهون علينا في المعالي نفوسنا
ومن يخطب الحسناء لم يغلها مهرو
اعز بني الدنيا واعلا ذوي العلا
واكرم من فوق التراب ولا فخر


*محمدالحمداني*
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات: 191
نقاط: 1664
تاريخ التسجيل: 26/07/2010
العمر: 31
الموقع: في قلب كل عاشق

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://albohmdan.hooxs.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى